إشكالية تزاحم النصوص الخاصّة والمادة 58 من قانون الإنتخاب

إشكالية تزاحم النصوص الخاصّة والمادة 58 من قانون الإنتخاب

بقلم: المحامي المتقاعد محمد أحمد المجالي

 

ماهية إشكالية تزاحم النصوص الخاصة

تعتبر إشكالية “تزاحم النصوص الخاصة” من أدق المباحث في علم صياغة وتفسير القوانين، وقد تحدث هذه الحالة عندما ينظم المشرع واقعة معينة بنصين، كلاهما يحمل طابع الخصوصية والاستثناء من القواعد العامة.

ويكمن التحدي هنا في أن إعمال أحد النصين قد يؤدي بالضرورة إلى تعطيل الآخر، مما يستوجب البحث عن “النص الأحق” أو “الأقوى دلالة” وفق معايير فقهية وقضائية وأصولية صارمة.

معايير المفاضلة والترجيح في الفقه القانوني:

عندما يتزاحم نصّان خاصّان ضمن تشريع واحد، لا يُعتد بمعيار “اللاحق ينسخ السابق” وذلك لوحدة زمن الصدور، بل يتم اللجوء للمعايير التالية:

معيار “الأخصية المطلقة” أو الأخص يقيد الخاص”:

وذلك بالبحث عن النص الذي يلمس “جوهر النزاع” (السبب) وليس مجرد “إطار النزاع العام” (الصفة).

معيار “الغاية”:

وذلك باستنطاق غاية المشرع من النص؛ هل هي حماية “فئة” (شكلية) أم حماية “كيان” (موضوعية)؟

معيار “السبب يطرد الصفة”:

الفقه يعتبر أن النص الذي يعالج “الفعل المنشئ للحق أو المسقط له” أقوى من النص الذي يعالج “هوية المستحق”، لأن السبب هو محرك الحكم.

رأي الأصوليين في الفقه الإسلامي (مدرسة الحنابلة والشافعية):

اتفق أصوليو الشافعية والحنابلة على قواعد دقيقة لفك تعارض النصوص المقيدة، ومنها:

عند الشافعية (تقديم العلة على الوصف):

يرى الشافعية أن “العلة” هي الوصف المناسب الذي ربط به الشارع الحكم لمصلحة تظهر للعقل، بينما “الوصف الشبهي” (الصفة) هو علامة ظاهرة قد لا تستمر، لهذا يقدمون النص الذي يعالج “العلة” على النص الذي يعالج “الوصف”.

عند الحنابلة (تقديم القيد السّببي):

يؤكد الحنابلة أن الأحكام المرتبطة بأفعال المكلفين أقوى من الأحكام المرتبطة بأوصافهم القدرية، لأن الفعل الاختياري هو مناط التكليف والجزاء، مما يجعل النص الذي يعالج “الفعل او العلّة” نصاً حاكماً على النص الذي يصف “السن”يعالج الصّفة.

موقف القضاء المقارن (المصري والفرنسي)

1. محكمة النقض المصرية:

الطعن رقم 716 لسنة 45 ق: في نزاع حول تكييف علاقة عمل، قررت المحكمة أن “العلة الواقعية” (وهي التبعية والإشراف) تُقدم على “الصفة المكتوبة” في العقد. فالعبرة بالحقائق والمقاصد لا بالصفات والأوصاف.

الطعن رقم 192 لسنة 49 ق: ذهبت إلى أن “علة الحاجة للسكن” في القوانين الاستثنائية هي التي تحدد استحقاق العين، وتُهدر “صفة المستأجر” إذا انتفت العلة، مما يعني تقديم السبب الموضوعي على الصفة الشكلية.

2. محكمة النقض الفرنسية (Cour de Cassation):

قرار 3 مارس 1998: أكدت المحكمة أن “علة الالتزام بالسلامة” هي قاعدة تسمو على النصوص التي تمنح امتيازات بناءً على “صفة” الشخص (سواء كان محترفاً أو مستهلكاً)، فالمصلحة المحمية (العلة) هي معيار الترجيح.

قرار 10 نوفمبر 1995: في تطبيق قانون (Badinter)، استبعدت المحكمة الصفات الشخصية للأطراف وقدمت “علة التورط” في الحادث كسبب وحيد للتعويض، مما يثبت أن “السبب” هو الحاكم قضائياً.

الإشكالية في المادة 58 من قانون الانتخاب لمجلس النواب:

1. توصيف النزاع التشريعي:

نحن أمام تزاحم نصّين خاصّين يتعلقان بكيفية ملء مقعد نيابي شغر بسبب فصل نائب شاب من الحزب الذي ينتمي اليه:

البند (3) – نص يرتكز على “الصفة”: ويوجب استبدال الشاب بشاب (قيد فئة أو صِفة.

البند (4) – نص يرتكز على “السبب”: يوجب استبدال المفصول من عضوية الحزب بالذي يليه في القائمة الحزبية (قيد العلة أو سبب).

2. موقف قانون الانتخاب من تمثيل فئة الشباب والمرأة (المواد 8 و50):

بالتدقيق في المواد (8 و50) من القانون نجد أن المشرع الأردني نفسه لم يعتبر “صفة الشباب” حصة (كوتا) ثابتة في النتائج النهائية، بل اعتبرها “شرطاً شكلياً لصحة ترشيح القائمة الحزبية فقط:

المادة (8): وهي التي قسّمت الدوائر الإنتخابية ووزعت المقاعد النيابية أوجبت وجود “شاب” ضمن المقاعد الخمسة الأولى كشرط لقبول القائمة الحزبية (قيد ترشح).

المادة (50): وهي المادة الحاسمة التي حددت كيفية توزيع المقاعد وإعلان الفائزين في الدائرة الإنتخابية العامة؛ حيث أوجبت ضمان فوز فئات (المسيحي، الشركسي، الشيشاني) ضمن المقاعد المخصصة لهم، ولكنها سكتت تماماً عن وجوب فوز فئات الشباب والمرأة في القائمة العامة (إلا إذا حققوا الترتيب التنافسي).

الاستنتاج: هذا السكوت في المادة 50 يؤكد أن فئة الشباب أو المرأة ليسوا أصحاب “مقاعد محجوزة” (Reserved Seats) كالمسيحيين والشركس والشيشان، بل هم جزء من الترتيب التنافسي للقائمة الحزبية.

3. ترجيح البند (4) “العلة والسبب”:

بناءً على كل ما تقدم، فإن البند (4) هو الواجب التطبيق في حالة الفصل الحزبي للشاب وشغور مقعده النيابي:

أولاً: لأن الفصل واقعة “سببية” رتب عليها المشرع أثراً (خروج العضو من المجلس)، وهذا الأثر يهدف لحماية الحزب (العلة)، فكان الأنسب إرجاع المقعد للحزب ليمثله “الذي يليه” في الترتيب الذي ارتضاه الحزب والناخب معاً.

ثانياً: لأن التمسك بالبند (3) (صفة الشباب) في حالة الفصل سيؤدي إلى “تعطيل الترتيب الرقمي” للقائمة دون وجود نص في المادة 50 يفرض “كوتا شبابية” عند إعلان النتائج، مما يجعل صفة الشباب صفة “ابتداء” لا صفة “بقاء” عند وقوع واقعة الفصل.

ثالثاً: لأن التمسك بالبند 3 يتنافى مع الديمقراطية الحزبية والتنافس الحزبي على مقاعد المجالس البرلمانية وقد يؤدي إلى ذهاب مقاعد حزب سياسي ما إلى حزب آخر خلافاً لإرادة الحزب والناخبين “التفويض الشعبي”.

رابعا: إعمالاً لقواعد الفقه والأصوليين، فإن الفصل من عضوية الحزب (السبب) هو حُكم طارئ وقوي ينسخ استصحاب “وصف الشباب” (الصفة) الذي كان لازماً فقط عند تقديم طلب ترشيح القائمة الحزبية وفق المادة 8.

وبالتالي نخلص من كل ما تقدّم أن البند (4) من الفقرة (أ) من المادة 58 هو النص الواجب التطبيق عند شغور مقعد شاب بسبب فصله من الحزب وينبني على ذلك أن يشغل المقعد الشاغر المرشح الذي يليه في القائمة الحزبية حسب الترتيب الرقمي المباشر، ولا عبرة هنا بصفة الشباب، لأن علة “الاستحقاق التنظيمي” والجزاء المترتب على الفصل أقوى قانوناً وأصولاً من قيد “الصفة” الذي اعتبره المشرع شرطاً لصحة القائمة (المادة 8) لا قيداً ثابتاً عند إعلان الفوز (مادة 50).

 

مركز إحقاق للدراسات القانونية

 

 

keyboard_arrow_up