نحاس بلا منافسة: حين تُدار الثروة الوطنية خارج منطق الدستور

ليس السؤال اليوم: هل في وادي عربة نحاس؟

بل السؤال الأخطر: كيف مُنح امتياز استغلاله، ولمن، وبأي منطق دستوري؟

 

في دولةٍ ينص دستورها صراحة على أن الثروات الطبيعية ملكٌ للأمة، يصبح أي تصرّف بها اختبارًا حقيقيًا لمدى احترام الدولة لمبادئ الشفافية، والمساءلة، وتكافؤ الفرص. ومن هنا، فإن اتفاقية التنقيب عن النحاس بين الحكومة وشركة وادي عربة للمعادن لا تُقاس بوعود الاستثمار وحدها، بل بسلامة الطريق الذي سلكته للوصول إلى التوقيع.

 

اتفاقية بلا عطاء… وبلا منافسة

الواقع الثابت، الذي لم تنفه الحكومة، أن الاتفاقية لم تمر عبر عطاء عام مفتوح، ولم تُطرح للمنافسة بين شركات محلية أو عالمية، رغم أن الحديث يدور عن امتياز طويل الأمد على مورد استراتيجي نادر.

قد يقول المدافعون إن القانون لا يُلزم بالعطاء، وهذا صحيح شكليًا. لكن الأخطر هو ما يغيب خلف هذا الجواب:

الدستور لا يكتفي بالمشروعية الشكلية، بل يفترض المشروعية الدستورية والحوكمية.

فهل يعقل أن تُمنح حقوق استغلال ثروة وطنية لمدة ثلاثين عامًا عبر مسار تفاوضي مغلق، بدأ بمذكرة تفاهم وانتهى باتفاقية امتياز، دون فتح السوق، ودون إعلان معايير المفاضلة، ودون اختبار حقيقي للقيمة الفضلى للدولة؟

 

مذكرة تفاهم أم بوابة امتياز؟

مذكرات التفاهم، في الفقه الإداري، أدوات تمهيدية لا تُنشئ حقوقًا حصرية. لكن حين تتحول مذكرة تفاهم مع طرف واحد إلى امتياز سيادي مغلق، فإن السؤال يصبح مشروعًا:

هل كانت المذكرة أداة فنية… أم مدخلًا لإقصاء المنافسة؟

إن أخطر ما في هذه المسارات ليس مخالفة نص، بل تعطيل روح الدستور، وتحويل السلطة التقديرية إلى سلطة شبه مطلقة، لا تُقابلها شفافية مكافئة.

 

أين مجلس الأمة؟

الأصل أن يكون مجلس الأمة شريكًا فعليًا لا شاهد تصديق لاحق.

فكيف يُطلب من النواب ممارسة دورهم الرقابي على اتفاقية لم يُنشر نصها الكامل للرأي العام؟

وكيف تُناقش شروط الإتاوات والتحكيم والمدة والالتزامات البيئية دون الاطلاع على التفاصيل العقدية؟

إن المصادقة البرلمانية لا تُصلح كل خلل سابق، ولا تُغني عن حق المجلس في السؤال:

لماذا هذه الشركة؟ ولماذا الآن؟ ولماذا بهذه الشروط؟

 

التحكيم… والسيادة المؤجلة

وحين تُضاف إلى المشهد بنود التحكيم الدولي في اتفاقية تتعلق بثروة وطنية، فإن النقاش يغادر الاقتصاد ويدخل عمق السيادة القضائية.

ليس التحكيم خطيئة بحد ذاته، لكن قبوله يجب أن يكون نتيجة موازنة دقيقة، لا خيارًا افتراضيًا يُدرج دون نقاش عام.

 

الخلاصة: القضية ليست نحاسًا

القضية ليست شركة، ولا مشروعًا، ولا حتى معدنًا.

القضية هي نموذج إدارة الثروة الوطنية:

– هل تُدار بمنطق الدولة الدستورية؟

– أم بمنطق التفاهمات المغلقة؟

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول ليس الفساد الصريح، بل التعاقدات الرمادية: قانونية في ظاهرها، ضعيفة في روحها، وقابلة للاهتزاز عند أول اختبار دستوري جاد.

الثروات لا تُدار بالصمت،

ولا تُحمى بالتطمينات،

بل تُصان بالمنافسة، والشفافية، والرقابة البرلمانية الحقيقية.

وغير ذلك… مجرد نحاس، بثمن سيادي باهظ.

مركز إحقاق للدراسات القانونية

keyboard_arrow_up