الحرحشي: اعتقال مادورو بالقوة جريمة دولية تُرتكب باسم العدالة

الحرحشي: اعتقال مادورو بالقوة جريمة دولية تُرتكب باسم العدالة

بقلم: المحامي إسلام الحرحشي/ مدير مركز إحقاق للدراسات القانونية

 

أثار الإعلان عن قيام القوات المسلحة الأميركية بعملية عسكرية أسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو جدلًا قانونيًا وسياسيًا واسعًا، تجاوز حدود الخلافات السياسية إلى جوهر النظام القانوني الدولي نفسه. فالقضية لا تتعلق بشخص مادورو أو بتقييم سياساته، بل تتصل بسؤال أخطر: هل يجوز لدولة أن تستخدم قوتها العسكرية لاعتقال رئيس دولة أخرى خارج أي إطار دولي مشروع؟

الإجابة القانونية، بعيدًا عن الشعبوية السياسية، هي: لا.

أولًا: حظر استخدام القوة… قاعدة آمرة لا تقبل الالتفاف

يُعد حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية حجر الأساس في القانون الدولي المعاصر. فقد نصت المادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة صراحة على امتناع الدول عن استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي.

إن تنفيذ عملية عسكرية داخل إقليم فنزويلا لاعتقال رئيسها يشكل:

* استخدامًا مباشرًا للقوة المسلحة،

* مساسًا بالسلامة الإقليمية،

* وضربًا للاستقلال السياسي للدولة.

وهي أركان مكتملة لانتهاك صريح لنص آمر لا يجوز تقييده أو تعطيله بذريعة أخلاقية أو سياسية.

 

ثانيًا: انتفاء أي سند للدفاع الشرعي

تحاول بعض الدول تبرير تدخلاتها العسكرية بالاستناد إلى المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة المتعلقة بالدفاع الشرعي. غير أن هذا التبرير يسقط قانونًا في الحالة محل البحث، لسبب بسيط وواضح:

لم يقع أي هجوم مسلح من فنزويلا على الولايات المتحدة.

والفقه الدولي مستقر على أن:

* الدفاع الشرعي مشروط بوقوع هجوم مسلح فعلي،

* وأن يكون الرد فوريًا وضروريًا ومتناسبًا.

أما استخدام القوة لاعتقال رئيس دولة بسبب اتهامات جنائية، مهما كانت جسامتها، فلا يدخل تحت أي تعريف مشروع للدفاع الشرعي.

 

ثالثًا: غياب تفويض مجلس الأمن

الميثاق حصر سلطة استخدام القوة الجماعية بمجلس الأمن وحده، بموجب الفصل السابع. وفي غياب أي قرار صادر عن المجلس يجيز التدخل العسكري في فنزويلا، فإن أي عمل عسكري أحادي يُعد عملاً عدوانيًا غير مشروع وفق القانون الدولي.

والخطير في هذا المسلك أنه يُعيد العالم إلى منطق “القوة تخلق الشرعية”، وهو منطق رفضه المجتمع الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

 

رابعًا: انتهاك مبدأ السيادة وعدم التدخل

اعتقال رئيس دولة أثناء توليه منصبه هو أقصى درجات التدخل في الشؤون الداخلية، وينتهك مبدأ عدم التدخل الذي كرّسته محكمة العدل الدولية في قضية نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة (1986).

فالدولة لا تفقد سيادتها بسبب خلاف سياسي أو اتهام جنائي، ولا يجوز لدولة أخرى أن تحل محل القضاء الوطني أو الدولي بقوة السلاح.

 

خامسًا: حصانة رؤساء الدول… قاعدة مستقرة

القانون الدولي يمنح رؤساء الدول حصانة شخصية كاملة (Immunity ratione personae) أثناء توليهم مناصبهم، وتشمل الحماية من:

* التوقيف،

* الاعتقال،

* أو أي إجراء قسري من قبل دولة أجنبية.

وقد أكدت محكمة العدل الدولية ذلك بوضوح في قضية مذكرة التوقيف (الكونغو ضد بلجيكا، 2002).

وعليه، فإن اعتقال مادورو بالقوة العسكرية يشكل انتهاكًا مباشرًا لهذه الحصانة، ولا يمكن تبريره بأي اتهام وطني صادر عن دولة أجنبية.

 

سادسًا: من الاعتقال إلى الاختطاف الدولي

القانون الدولي الجنائي لا يجيز تنفيذ الملاحقات خارج إطار:

* التسليم القضائي،

* أو التعاون القضائي الدولي،

* أو آليات المحاكم الدولية المختصة.

أما انتزاع شخص من إقليم دولته بالقوة العسكرية، فهو “اختطاف دولي” لا إجراء قانوني، ويقوض فكرة سيادة القانون ذاتها.

 

الخاتمة

إن العمل العسكري الذي أدى إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي لا يمكن توصيفه قانونيًا إلا بوصفه “انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي”، ومساسًا خطيرًا بالنظام القانوني الذي يفترض أن يحكم العلاقات بين الدول.

فالقانون الدولي لا يُقاس بعدالة الخصومة، بل بشرعية الوسيلة.

وحين تُستبدل المحكمة بالطائرة العسكرية، والادعاء بالقوة، فإننا لا نكون أمام انتصار للعدالة، بل أمام سابقة خطيرة تهدد مبدأ سيادة الدول وتفتح الباب لشريعة الغاب الدولية.

keyboard_arrow_up