حكم المحكمة الدستورية ونقابة المعلمين: دستورية النص… وإرباك الواقع
لم يأتِ حكم المحكمة الدستورية رقم (7) لسنة 2025 بوصفه مجرد اجتهاد قانوني في تفسير المادة (120) من الدستور، بل نزل كقرار ثقيل الأثر على واحد من أكثر القطاعات حساسية في الدولة: قطاع التعليم، وعلى فئة هي الأوسع عددًا والأكثر احتكاكًا بالسياسات العامة، أي المعلمون.
نعم، المحكمة قالت كلمتها باسم الدستور، لكن السؤال الذي لا يمكن القفز عنه: هل اكتفت المحكمة بحماية النص الدستوري، أم أنها أغفلت حماية الحق الاجتماعي والسياسي الذي وُجد الدستور من أجله؟
أولاً: قرار المحكمة الدستورية: هل هو قراءة ضيقة للدستور أم تحصين مفرط للسلطة التنفيذية؟
انطلقت المحكمة من تفسير صارم للمادة (120)، واعتبرت أن أي تنظيم لشؤون الموظفين العموميين، بما في ذلك تنظيمهم النقابي، يجب أن يتم حصريًا عبر أنظمة تصدر عن السلطة التنفيذية. وبهذا المنطق، أُعدم قانون نقابة المعلمين كاملًا، دون تمييز أو مواءمة.
المفارقة أن هذا التفسير – رغم سلامته الشكلية – يؤدي عمليًا إلى تحصين السلطة التنفيذية من أي رقابة تشريعية حقيقية في مجال يمسّ حقوقًا أساسية. فالبرلمان، وفق هذا المنطق، يُمنع من التدخل حتى عندما يتعلق الأمر بتنظيم حق دستوري، لا بمجرد إجراء إداري.
ثانياً: الإبطال الكلي: عقوبة جماعية لا ضرورة دستورية لها
أخطر ما في الحكم ليس حيثياته، بل نتيجته. فالإبطال الكلي لقانون نقابة المعلمين لم يكن حتميًا ولا الخيار الدستوري الوحيد. كان بوسع المحكمة لو أرادت – أن تُعمل أدوات أكثر توازنًا، كالإبطال الجزئي أو التفسير المقيّد، بما يحفظ الحد الأدنى من الاستقرار النقابي.
بدلًا من ذلك، اختارت المحكمة الطريق الأسهل قانونيًا، والأقسى اجتماعيًا، تاركة آلاف المعلمين في فراغ قانوني، وكأن التنظيم النقابي رفاه يمكن تعليقه بانتظار “حُسن نية” الحكومة في إصدار أنظمة بديلة.
ثالثاً: الحق النقابي بين الاعتراف النظري والتعطيل العملي
تقول المحكمة إن الحق النقابي لم يُلغَ. وهذا صحيح نظريًا، لكنه مضلل عمليًا. فالحق الذي لا يملك أدوات ممارسة واضحة، لا إطارًا قانونيًا مستقرًا، يتحول إلى حق معلّق، أقرب إلى الوعد منه إلى الواقع.
الأخطر أن الحكم لم يُلزم السلطة التنفيذية بمدة زمنية، ولا بمعايير واضحة، ولا بضمانات تشاركية عند إصدار الأنظمة. وبذلك، انتقل مصير العمل النقابي من ساحة التشريع المفتوحة إلى دهاليز القرار التنفيذي المغلق.
رابعاً : الأساس الدستوري للحق النقابي… الغائب الحاضر في الحكم
ينبغي التذكير بأن الحق في التنظيم النقابي ليس حقًا مُستحدثًا أو منحة إدارية، بل هو حق دستوري أصيل، نصّت عليه المادة (16) من الدستور الأردني صراحة، حين كفلت للمواطنين حق تأليف الجمعيات والنقابات والأحزاب السياسية، على أن تكون غاياتها مشروعة ووسائلها سلمية.
وعليه، فإن أي تفسير للمادة (120) لا يجوز أن يتم بمعزل عن هذا النص الدستوري الواضح، ولا أن يؤدي عمليًا إلى تعطيل حق قرره الدستور ذاته. فالتنظيم، دستورياً، وسيلة لضمان ممارسة الحق لا أداة للحدّ منه أو مصادرته.
إن تغليب النص الإجرائي المتعلق بتنظيم شؤون الموظفين العموميين على النص الضامن للحريات العامة، يطرح إشكالية في منهج التفسير الدستوري نفسه: هل يُقرأ الدستور كوحدة متكاملة متناسقة، أم تُجزّأ نصوصه بما يُفرغ الحقوق من مضمونها العملي؟
خامساً: أي رسالة يبعثها الحكم؟
سياسيًا، يبعث الحكم برسالة مفادها أن التنظيم النقابي للموظفين العموميين مسألة إدارية قبل أن تكون حقًا عامًا.
وقانونيًا، يكرّس اتجاهًا يُفرغ المبادرة التشريعية من مضمونها في أحد أهم مجالات الحريات العامة.
والسؤال الأكثر إلحاحًا: كيف يمكن الحديث عن دولة مؤسسات وقانون، بينما يُترك تنظيم حق جماعي واسع التأثير – كالحق النقابي – لأنظمة قابلة للتعديل أو التعطيل بقرار حكومي؟
سادسا: الخلاصة: حكم دستوري بلا حسّ دستوري اجتماعي
لا أحد يجادل في سلطة المحكمة الدستورية ولا في واجبها بحماية الدستور. لكن حماية الدستور لا تعني عزله عن الواقع، ولا اختزاله في قراءة إجرائية جامدة. الدساتير وُجدت لضبط السلطة، لا لتكريس تفوق سلطة على أخرى عندما يتعلق الأمر بالحقوق.
حكم نقابة المعلمين قد يكون منضبطًا نصيًا، لكنه سياسيًا واجتماعيًا يطرح إشكالية عميقة: من يحمي الحقوق عندما تُفسَّر النصوص على حساب الناس؟
الكرة اليوم في ملعب الحكومة، لا لتستثمر الحكم، بل لتتدارك آثاره، عبر أنظمة واضحة، ضامنة، وتشاركية. أما ترك الأمور معلّقة، فسيحوّل الحكم من اجتهاد دستوري إلى أزمة ثقة جديدة بين الدولة وموظفيها.
مركز إحقاق للدرسات القانونية

